تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف نكون صانعي سلام في عالمٍ تُمزّقه الحروب والنزاعات؟

اسي مينا

وسط ما نعيشه من حروبٍ وصراعات، يبقى السلام هو المُبتغى، وهو الكلمة العظمى والبسيطة التي تختصر كلّ ما صنعه ربُّنا المسيح، صانع السلام العظيم بين الإنسان والله، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. ففي ذاته، حَطّم المسيح كلّ عائق أمام هذا السلام، ومن أجمل ألقابه أنّه «رئيس السلام»، إذ «يُدْعَى اسْمُهُ: عَجِيبًا مُشِيرًا، إِلَهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلام».

«صانع السلام» هو ذاك الذي اختبَر سلامَ المسيح في قلبه، ويعمل لأجل مجيء الملكوت باسم يسوع الذي لم يُعطِ الطوبى لمن لديهم سلامٌ، بل لصانعيه، كما بيَّنَ المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، في حديثه.

وشرح أنّ السلام المسيحيّ ليس كما يفهمه العالم: توقّفًا للنزاعات والصراعات والحروب، وتفاهمًا بين البشر يجعل الحياة أكثر احتمالًا، أو صفقةً تتطلَّب تنازلات مُتبادَلة، أو وِفاقًا ناتجًا عن مساومةٍ على حساب المبادئ والقيَم، وخيانة مُتطلّبات الملكوت.

سلامي أتركُ لكُم

وتابع: «السلام المسيحيُّ ينبع من الصليب، إذ يُصنَع ويتحقّق بسفك دم الحياة اقتداءً بالمسيح، فهو وحده يُعطينا السلام ثمرةً لعمله الخلاصيّ الذي صالحَ به الإنسان مع الله في جسدٍ واحد، بالصليب. فالسلام ليس صنيعةَ الإنسان، بل نعمةٌ يقبلها من الله بيسوع المسيح، ويجتهِد بغية تحقيقها في حياته، ليُبرِز عمل الروح القُدس فيه».

صانع السلام هو مَن يُجاهِد كي يبقى وفيًّا للحقّ، دون أن يحوّله إلى سلاح، ويثبُت في المحبّة دون أن يجعلها رخاوة، عارفًا أنّ السلام أهمّ من امتلاك الحقيقة كغنيمة، ومتخلّيًا عن وَهْم أنّ الحقّ كلّه داخل قبضته، ومتعلِّمًا أنْ يُمسك الحقيقة بتواضع، لا بقبضةٍ مغلقة، وأن يبحث عنها مع الآخَر ليُدرِكاها معًا، لا ليستخدمها ضدّه، حسب وردة.

ليس سهلًا!

واستطرد: «يخطو الإنسان أولى خطواته في طريق السلام عندما يقرّ مقتنعًا بأنّ إدراكه الحقيقة جزئيٌّ وغير مكتمل، وأنّه قد يكون صادقًا ومع ذلك يحتاج أن يتعلّم. أمّا حين يظنّ أنّه يملك الحقيقة كاملة، فيصبح الآخَر المختلف كاذبًا في نظره، وهنا تبرز بذرة العنف».

وختم وردة مشدّدًا على أنّ طريق السلام ليس سهلًا، لأنّ السلام الحقيقيّ يولد من قلبٍ تعلّم المحبّة غير المحدودة، على مثال المسيح. ومن امتلكَ قلبًا كهذا يُصبح علامةً لحضور الله في العالم: «لأنّ السلامَ الذي يصنعه ليس سلامًا هشًّا، بل ثمرة قلبٍ امتلأ بحياة الله. ولهذا قال الربّ عن صانعي السلام إنّهم "يُدعون أبناء الله"، لأنّهم يفعلون في العالم ما يفعله الآب نفسه: يعيدون الخليقة إلى الوحدة، ويجعلون الحياة أقرب إلى قصد الله الأوّل».

المصدر: آسي مينا / جورجينا حبابه