Skip to main content

من باريس إلى الأرض المقدسة "عمل الشرق" ومسار 170 عامًا من الالتزام

جمعية "أعمال الشرق"، L’Œuvre d’Orient

بقلم: سند ساحلية

تُعد جمعية "أعمال الشرق" (L’Œuvre d’Orient) واحدة من أقدم المؤسسات الكاثوليكية الفرنسية العاملة في دعم المجتمعات المسيحية والإنسانية في الشرق. ومع اقتراب الذكرى الـ170 لتأسيسها عام 1856، تعود الجمعية إلى واجهة الاهتمام بوصفها إحدى أبرز الأطر المدنية الكنسية التي رافقت تحولات المنطقة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم.

تأسست الجمعية في باريس في سياق دولي أعقب نهاية حرب القرم وتوقيع معاهدة باريس، حين برزت قضايا الأقليات الدينية، ولا سيما المسيحيين في الدولة العثمانية. وقد انطلقت تحت اسم "أعمال مدارس الشرق" (L'Œuvre des Écoles d’Orient)، وكان هدفها الأساسي دعم التعليم عبر إنشاء وتمويل المدارس، باعتبار التعليم مدخلًا جوهريًا لتعزيز الحضور المسيحي وتثبيت الوجود المجتمعي.

على امتداد أكثر من قرن ونصف، تطوّر عمل الجمعية تدريجيًا. فبعد أن انحصرت في التعليم خلال مراحلها الأولى، توسعت أنشطتها لتشمل مجالات إنسانية واجتماعية أوسع، خصوصًا في ظل الأزمات السياسية والحروب. وقد برز دورها خلال محطات كبرى، من أحداث جبل لبنان وسوريا في القرن التاسع عشر، إلى النزاعات الحديثة في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا، حيث قدّمت دعمًا مباشرًا للمؤسسات المحلية والكنائس والمجتمعات المتضررة.

اليوم، تنشط الجمعية في أربعة محاور رئيسية: التعليم عبر دعم المدارس والمؤسسات التربوية، الصحة من خلال تمويل المستشفيات والمراكز الطبية، العمل الاجتماعي عبر برامج دعم الفئات الأكثر هشاشة، والدعم الرعوي من خلال مساندة الكنائس والمؤسسات الكنسية في عملها الروحي والاجتماعي. كما تسهم في تعزيز الحضور الثقافي واللغوي الفرنسي في عدد من بلدان الشرق.

يمتد نطاق عملها إلى نحو 20 إلى 23 دولة، تشمل بشكل أساسي الشرق الأوسط، ولا سيما فلسطين ولبنان وسوريا والعراق والأردن، إضافة إلى دول في القرن الإفريقي مثل إثيوبيا وإريتريا، وأجزاء من أوروبا الشرقية وجنوب آسيا، بما في ذلك الهند. هذا الانتشار يعكس تحولها من مبادرة محلية فرنسية إلى شبكة دعم عابرة للحدود، ترتكز على الشراكة مع الكنائس المحلية والمؤسسات المدنية.

فلسطين والأرض المقدسة: البعد الإنساني المباشر

يتجسد حضور الجمعية بشكل خاص في فلسطين والأرض المقدسة، حيث يشكّل التعليم أولوية قصوى. فخلف كل مدرسة تُفتح أو تُدعَم، هناك عائلة تختار البقاء في أرضها بدل الهجرة. المنح والمساعدات التشغيلية التي تقدّمها الجمعية للمدارس المسيحية في القدس والضفة الغربية وغزة ليست مجرد دعم مالي، بل ضمانة لاستمرارية التعليم، وبالتالي لاستمرارية الحياة اليومية للعائلات.

وفي مجال الصحة والعمل الاجتماعي، تُقدّم الجمعية دعمًا لمستشفيات ومبادرات محلية تخدم الفئات الأكثر هشاشة. في غزة مثلًا، حيث الحصار والظروف القاسية، ساعدت الجمعية في توفير مساعدات طبية عاجلة أنقذت حياة أطفال ونساء، مؤكدة أن التضامن ليس شعارًا بل فعلًا ملموسًا يغيّر حياة الناس.

أما في البعد الرعوي، فهي تساند الكهنة والراهبات وتموّل مشاريع كنسية، بما يضمن استمرارية الحياة الروحية في الأرض المقدسة. هذا الدعم لا يقتصر على الجانب الديني، بل ينعكس مباشرة على المجتمعات المحلية التي ترى في الكنيسة مركزًا للتعليم، والرعاية، والمساندة الاجتماعية.

وخلال الأزمات، خصوصًا في غزة وبعض مناطق الضفة الغربية، تقدّم الجمعية مساعدات طارئة غذائية وطبية عبر شبكتها الكنسية، وفق نموذج يقوم على الشراكة مع المؤسسات المحلية بدل التنفيذ المباشر، ما يجعل دورها أقرب إلى التمكين وتعزيز الصمود في سياق إنساني وسياسي معقّد.

رسالة تضامن ممتدة

ورغم أن هويتها مسيحية، فإن مشاريع الجمعية تخدم مختلف الفئات الاجتماعية بحسب الاحتياجات الإنسانية. فهي ترى أن مسيحيي الأرض المقدسة "ليسوا مجرد جماعة محلية، بل شهود لسرّ يتجاوز الحدود"، وأن وجودهم في هذه الأرض هو شهادة حيّة على الأمل والرجاء.

أما الذكرى الـ170 لتأسيسها، فتشكّل محطة رمزية تعكس استمرارية هذا الحضور الطويل في الشرق، وتسلّط الضوء على تحوّلها من مشروع تعليمي في القرن التاسع عشر إلى مؤسسة إنسانية متعددة المجالات في القرن الحادي والعشرين. وهي مناسبة لإعادة طرح أسئلة الحضور المسيحي في المنطقة، ودور المؤسسات الكنسية الدولية في دعم الاستقرار المجتمعي وتعزيز صمود العائلات والمجتمعات المحلية.