بقلم: الأب بشار فواضله - كاهن البطريركية اللاتينية في الطيبة
ليس السؤال اليوم من يبدو شبيهًا بالمسيح، بل من يجرؤ حقًا على أن يكيّف حياته مع فكره. في زمن تُنتَج فيه الرموز بسرعة، ويُرتقى فيه أحيانًا بأفراد إلى مرتبة شبه مقدسة عبر الخطاب والصورة، يبقى سؤال أكثر هدوءًا لكنه أشدّ إلزامًا: هل نواجه تجليًا حقيقيًا لفكر المسيح، أم شكلًا آخر من التمجيد الذاتي البشري المتشح بلغة دينية؟
ومع تزايد تداخل الصورة مع الواقع، واختلاط الرموز بالطموح والنفوذ، تتجدد الحاجة إلى العودة إلى قلب الإيمان المسيحي. فالمسيحية ليست هوية خارجية أو إعلانًا لفظيًا، بل هي في جوهرها تحوّل حيّ للشخص بكامله. إنها تكيّف تدريجي، وغالبًا صعب، للحياة البشرية مع فكر المسيح وروحه وحياته.
يعبّر القديس بولس عن ذلك في رسالته إلى أهل فيليبي: "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع"، وفي ترجمة أخرى: "تخلّقوا بأخلاق المسيح" (فيلبي 5:2). ليس هذا نداءً أخلاقيًا فحسب، بل دعوة لاهوتية إلى شركة مع المسيح، يُعاد فيها تشكيل الإنسان من الداخل ويُدفع إلى الانسجام مع الإرادة الإلهية. ويعمّق بولس هذا الفهم في رسالته إلى (غلاطية 2: 19-20): "مع المسيح صُلبت... فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ"، مؤكدًا أن الوجود المسيحي ليس تقليدًا خارجيًا بل مشاركة داخلية في حياة المسيح. وكذلك في إنجيل (يوحنا 15:13): "فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضًا ما صَنَعتُ إِلَيكم"، حيث تُؤسَّس التلمذة على الفعل المتجسّد.
إن جوهر فكر المسيح، كما يعلنه الإنجيل، لا ينفصل عن التواضع وإخلاء الذات والمحبة الباذلة. فالمسيح لا يسعى إلى تمجيد ذاته ولا إلى بناء صورة دينية تُستَعرض. بل "أخلى نفسه"، آخذًا صورة عبد، ودخل في ضعف الوجود البشري، وطاع حتى الموت — موت على الصليب. وهنا يظهر معيار حاسم: لا يمكن الادعاء بشبه المسيح دون المشاركة في هذا المسار من الحب الباذل للذات.
إن أي ادعاء، في أي سياق تاريخي، بالشبه بالمسيح أو تمثيل حضوره، من دون تجسيد هذا البعد من التواضع والمحبة، يشوّه جوهر الإنجيل نفسه. فالمسيح لا يُرى في الشكل الخارجي بل في الوجود المتحوّل؛ لا في الصورة بل في الحقيقة المُعاشة من الداخل. ويُميَّز التماهي معه لا بالخطاب أو الرموز، بل عبر ثمار الروح: المحبة، الفرح، السلام، طول الأناة، اللطف، الصلاح، الإيمان، الوداعة، وضبط النفس (غلاطية 5: 22-23).
في هذا المنظور، عندما يتبنى بعض الشخصيات العامة صورًا أو خطابات تستحضر صورة المسيح، فإن ذلك لا يدل بالضرورة على عمق روحي، بل قد يكشف أحيانًا عن خلط مقلق بين القداسة الإلهية وأشكال السلطة الدنيوية. فالمسيح لم يمارس سلطة سياسية، ولم يسعَ إلى حكم أرضي. لقد أعلن ملكوتًا ليس من هذا العالم. وبالتالي، فإن أي تمييز لمدى القرب من المسيح يجب أن ينطلق من سؤال واحد: هل تعكس هذه الحياة فكر المسيح وروحه في التواضع والمحبة الباذلة للذات؟
يؤكد التقليد المسيحي أن القداسة ليست استثناءً، بل دعوة عامة، وأن التشبه بالمسيح هو شكلها الأساسي. وفي الوقت نفسه، ظلّ هذا التقليد يرفض أي خلط بين ملكوت الله والسلطة الزمنية، أو تحويل المسيح إلى أداة رمزية في خدمة مشروع سياسي أو أيديولوجي.
وقد عبّر آباء الكنيسة عن هذا بوضوح لافت. فأوغسطينوس يرى في المسيح الطبيب الذي يُشفى به الجرح البشري عبر المحبة. ويؤكد يوحنا الذهبي الفم أن الشهادة الحقيقية لا تُقاس بالكلام بل بالحياة، داعيًا المؤمنين إلى أن يتجذر الإنجيل في ممارساتهم اليومية. أما فرنسيس الأسيزي فقد جسّد هذا المسار جذريًا عبر الفقر والتخلي عن الذات، في رفض واعٍ للمجد الأرضي وتكريس كامل للمسيح.
أما سؤال المؤمن الحقيقي فليس الدفاع عن الصور أو رفضها، بل خوض امتحان داخلي أعمق: هل أتحوّل إلى فكر المسيح؟ هل تتجلى قيمه في تفاصيل حياتي اليومية؟ هل محبتي غير مشروطة أم محكومة بالمصلحة؟ هل تواضعي حقيقي أم مجرد أداء ظاهري؟ إن هذا التشبه يظهر في التفاصيل اليومية: في الخدمة غير المرئية، في الغفران وسط الظلم، في التضحية غير المشروطة، وفي الرفض الهادئ للكبرياء.
في النهاية، لا يمكن اختزال المسيح في صورة، ولا توظيفه لتبرير أي مشروع بشري. فهو الطريق والحق والحياة. واتباعه يعني الدخول في مسار تحوّل عميق يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، لا مجرد محاكاة خارجية. وكل محاولة للتشبه به دون هذا التحول الداخلي تبقى في مستوى المظهر لا الحقيقة.
وهكذا يبقى التحدي قائمًا: أن نكون مسيحيين لا بالاسم فقط، بل بالفكر والحياة؛ لا بالادعاء، بل بالشهادة الحية. وأن نصبح، في عالم يغرق بالصور، شهادات حيّة للمسيح — لا مجرد تمثيلات فارغة.