روما - عَرَفتها الأجيال المسيحية والدةً ليسوع المسيح، وعرّف عنها المؤمنون بألقاب وصِفات وكتب كثيرة. وخصّص لها القرآن سورة كاملة باسمها ودعاها مريم بنت عمران. فمَن هي السيدة العذراء حسب الإيمان المسيحي؟
إنّ فهم شخصية العذراء مريم يعني الدخول إلى عمق الإيمان المسيحي. ترتبط هويّتها ارتباطًا وثيقًا بسرّ السيد المسيح. وتنبع جميع تعاليم الكنيسة عنها ممّا تؤمن به في شأن يسوع، لأنّ مريم تُفهم من خلال رسالتها الفريدة في تاريخ الخلاص.
شكّلت بشارة العذراء بداية «ملء الزمان». في تلك اللحظة، دُعيت مريم إلى الحمل بالابن الأزلي في أحشائها من خلال عمل الروح القدس. لم يكن الحدث بشريًّا، بل أتى بمبادرة إلهية. وأجابت مريم بحرية ووعي، معبّرة عن قبولها الكامل إرادةَ الله من دون تحفُّظ.
رأى التقليد المسيحي أنّ الله اختار مريم ومنحها أن تكون والدة المسيح، لذلك هيّأها بنِعَم تتناسب مع هذه الرسالة. ومن هذه النعَم، أعلنت الكنيسة الكاثوليكية الحبل بلا دنس؛ وتشرح هذه العقيدة أنّ منذ اللحظة الأولى من وجودها، حُفظت مريم من الخطيئة الأصلية، بفضل استحقاقات آلام المسيح، ولو لم يكن قد فدى البشرية بعد على الصليب.
يعترف الإيمان المسيحي بأنّ أمومة مريم فريدة من نوعها؛ إذ إنّ الابن الذي حبلت به هو إنسان حقيقي وإله حقيقي. لذلك تدعوها الكنيسة والدة الإله. وترتبط هذه الأمومة أيضًا بعذريتها، التي لا تُفهم بوصفها حقيقة جسدية فحسب، بل علامة لاهوتية تُظهر مبادرة الله المطلقة واستعداد الإنسان الكامل.
تُعدّ مريم الناصرية شخصية محورية في مسيرة فداء الله البشريةَ. وتسلّط حياتها الضوء على العلاقة بين النعمة والحرية، وتُظهر كيف يمكن للمبادرة الإلهية أن تلتقي باستجابة إنسانية كاملة. ومن الألقاب المنسوبة إليها: «حواء الجديدة»؛ فمع آدم وحواء شكّلت المعصية بداية سقوط البشرية، ومع إيمان مريم فُتح للبشرية أفقٌ جديد. وفي السيدة العذراء تحقّق الانتقال من وعد الله بإعتاق البشرية من الخطيئة إلى اكتمال ذلك الوعد.
تُكرَّم مريم اليوم في مختلف أقطار العالم من المسيحيين الكاثوليك والأرثوذكس وبعض الكنائس البروتستانتية. ولها كنائس ومزارات مكرّسة على اسمها، يلجأ إليها المؤمنون في لحظات الشدّة، طالبين شفاعتها وحمايتها الوالدية.
المصدر: الياس الترك، آسي مينا.