رام الله - نبض الحياة - في توقيت يتقاطع مع الذكرى الخمسين ليوم الأرض، صدر للمؤرخ والباحث الفلسطيني د. جوني منصور كتاب «يوم الأرض 50 عامًا: المسيرة التاريخية للدفاع عن الأرض الفلسطينية» عن دار الأرض للنشر والتوزيع في رام الله، في عمل يتجاوز التوثيق الكلاسيكي إلى قراءة تحليلية لمسار الصراع على الأرض بوصفه محورًا للصراع الوجودي للفلسطينيين.
الكتاب، الواقع في 423 صفحة، لا يكتفي بإعادة سرد أحداث 30 آذار/مارس 1976، بل يعيد إدراجها ضمن سياق تاريخي ممتد يبدأ من أواخر العهد العثماني، مرورًا بالانتداب البريطاني، وصولًا إلى السياسات الإسرائيلية المعاصرة داخل الخط الأخضر. ومن خلال هذا الامتداد الزمني، يقدّم منصور قراءة تعتبر أن ما جرى في يوم الأرض لم يكن حدثًا معزولًا، بل لحظة مكثفة لمسار طويل من إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا.
ينطلق المؤلف من فرضية واضحة: الأرض ليست مجرد مورد أو مساحة، بل هي جوهر الصراع ومركزه. وبناء على ذلك، يقسم عمله إلى أربعة أبواب تتتبع سياسات المصادرة بوصفها أداة منهجية، لا إجراءات متفرقة، ويضع ما يسميه “تهويد الحيّز” في قلب هذه العملية، باعتباره سياسة مركّبة تستهدف إعادة تعريف المكان سياسيًا وثقافيًا.
في هذا السياق، يحتل يوم الأرض موقعًا مفصليًا في بنية الكتاب. فالإضراب الشامل الذي شهدته البلدات العربية عام 1976، احتجاجًا على مصادرة نحو 20 ألف دونم من أراضي الجليل، يُقرأ هنا كتحول نوعي في الوعي السياسي الجماعي، حيث انتقلت المواجهة من ردود فعل محلية إلى موقف وطني جامع داخل الخط الأخضر. ويشير منصور إلى أن الرد العسكري الذي أسفر عن استشهاد ستة فلسطينيين لم يكن مجرد إجراء أمني، بل لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب.
لكن القيمة التحليلية للعمل تتجلى بشكل أوضح في قراءته لما تلا ذلك الحدث. فالكتاب يتتبع تحولات أدوات السيطرة على الأرض، من المصادرة المباشرة إلى سياسات أكثر تعقيدًا، مثل تطويق القرى العربية بالمستوطنات، وشق الطرق الالتفافية التي تعيد رسم الخريطة على نحو يقطع التواصل الجغرافي، إلى جانب توسيع صلاحيات المجالس الإقليمية اليهودية على حساب الأراضي العربية.
كما يتوقف عند استخدام أدوات قانونية وبيئية، مثل إعلان "محميات طبيعية"، باعتبارها آلية حديثة للحد من التوسع العمراني الفلسطيني، ما يحوّل القانون ذاته إلى أداة لإدارة الصراع على الأرض. وفي هذا الإطار، يربط منصور بين التخطيط العمراني والسياسات الديموغرافية، معتبرًا أن كليهما يعملان ضمن رؤية واحدة تهدف إلى إعادة تشكيل الحيز.
الكتاب، المدعوم بمصادر أرشيفية ومراجع علمية ومقابلات ميدانية، يقدّم في محصلته قراءة تعتبر "يوم الأرض" أكثر من مجرد محطة تاريخية. فهو، بحسب المؤلف، تعبير متجدد عن صراع لم يُحسم، حيث لا تزال الأرض تشكّل محور المواجهة اليومية، سواء على مستوى السياسات أو على مستوى الوعي والهوية.
وفي ظل التحولات السياسية الراهنة، يطرح العمل سؤالًا ضمنيًا حول مستقبل هذا الصراع: هل تغيّرت أدواته فقط، أم أن جوهره لا يزال ثابتًا؟ سؤال يتركه الكتاب مفتوحًا، لكنه يقدّم في المقابل مادة توثيقية وتحليلية تعيد تثبيت الأرض في قلب الرواية الفلسطينية، بوصفها قضية لا تقبل الاختزال أو التأجيل.
جوني منصور… مؤرخ الذاكرة الفلسطينية
المؤرخ د. جوني منصور هو باحث فلسطيني من الداخل، يُعد من المتخصصين في تاريخ فلسطين الحديث، ولا سيما تاريخ المدن الفلسطينية في أواخر العهد العثماني وفترة الانتداب البريطاني. ويُعرف كأحد الأصوات التي كرّست جهدها لكتابة التاريخ من الداخل، والعمل على استعادة الذاكرة الفلسطينية في مواجهة محاولات التهميش والنسيان.
وُلد في مدينة حيفا، وارتبطت أعماله البحثية بشكل وثيق بتاريخها الاجتماعي والسياسي والعمراني، حيث كرّس جانبًا مهمًا من كتاباته لتوثيق التحولات التي شهدتها المدينة وسائر المدن الفلسطينية.
يحمل درجة الدكتوراه في التاريخ، ويعمل في مجالات البحث الأكاديمي والتدريس، إلى جانب نشاطه في الكتابة الصحفية والمشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية.
صدرت له مؤلفات ودراسات عديدة باللغتين العربية والعبرية، تتناول قضايا الهوية، والذاكرة، وتاريخ الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ويُعرف باعتماده على المصادر الأرشيفية والقراءة النقدية للسرديات التاريخية، ما يجعل أعماله مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالشأن الفلسطيني.